الشيخ الطبرسي

120

تفسير مجمع البيان

ومرارة بن الربيع ، وكعب بن مالك ، وهم من الأوس والخزرج ، وكان كعب بن مالك رجل صدق غير مطعون عليه ، وإنما تخلف توانيا عن الاستعداد ، حتى فاته ، المسير ، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فقال : والله ما لي من عذر ، ولم يعتذر إليه بالكذب ، فقال عليه السلام : صدقت ، فمر حتى يقضي الله فيك . وجاء الآخران فقالا مثل ذلك ، وصدقا . فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، عن مكالمتهم ، وأمر نساءهم باعتزالهم ، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ، فأقاموا على ذلك خمسين ليلة ، وبنى كعب خيمة على سلع ( 1 ) يكون فيها وحده ، وقال في ذلك : أبعد دور بني القين الكرام ، وما شادوا علي ، بنيت البيت من سعف ( 2 ) ثم نزلت التوبة عليهم بعد الخمسين في الليل ، وهو قوله تعالى ( وعلى الثلاثة الذين خلفوا ) الآية . فأصبح المسلمون يبتدرونهم ويبشرونهم . قال كعب : فجئت إلى رسول الله في المسجد ، وكان عليه السلام إذا سر يستبشر ، كأن وجهه فلقة قمر ، فقال لي ووجهه يبرق من السرور : أبشر بخير يوم طلع عليك شرقه منذ ولدتك أمك ! قال كعب فقلت : أمن عند الله . أم من عندك يا رسول الله ؟ فقال : من عند الله . وتصدق كعب بثلث ماله شكرا لله على توبته . المعنى : ثم عطف سبحانه على ما قبله من قوله : ( وآخرون اعترفوا بذنوبهم ) فقال : ( وآخرون مرجون لأمر الله ) أي : مؤخرون موقوفون لما يرد من أمر الله تعالى فيهم ( إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ) لفظة ( إما ) وقوع أحد الشيئين ، والله سبحانه عالم بما يصير إليه أمرهم ، ولكنه سبحانه خاطب العباد بما عندهم ، ومعناه : ولكن كان أمرهم عندكم على هذا أي : على الخوف والرجاء . وهذا يدل على صحة مذهبنا في جواز العفو عن العصاة ، لأنه سبحانه بين أن قوما من العصاة يكون أمرهم إلى الله تعالى ، إن شاء عذبهم ، وإن شاء قبل توبتهم ، فعفا عنهم ، ويدل أيضا على أن قبول التوبة تفضل من الله سبحانه ، لأنه لو كان واجبا لما جاز تعليقه بالمشيئة ( والله عليم ) بما يؤول إليه حالهم ( حكيم ) فيما يفعله بهم . ( والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين

--> ( 1 ) السلع : جبل بالمدينة . ( 2 ) شاد البناء : رفعه . والسعف : جريد النخل .